أرشيف الفتاوى

آداب تلاوة القرآن الكريم

آداب تلاوة القرآن الكريم

 

السؤال :

ما هي آداب تلاوة القرآن الكريم ؟

الجواب :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وآله وصحبه أجمعين .
وبعد :

فعلى قارئ القرآن أن يراعي عند قراءته لكتاب الله تعالى الآداب التالية :

أولا – إخلاص النية لله سبحانه وحده في القراءة أو الحفظ ، وطلب الأجر والثواب من الله تعالى ، والبعد عن الرياء والسمعة والمباهاة .
فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أنه مرّ على قارئ يقرأ ثم سأل – أي سأل الناس –  فاسترجع ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قرأ القرآن فليسأل الله به ، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن ، يسألون به الناس " رواه الترمذي ، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة ( 257 ) .
وقد جاء في الحديث : " مَن قَرأ حرفاً من كتاب الله ، فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقولُ ( آلم ) حرف ، ولكن : ألفٌ حرفٌ ، ولامٌ حرف ، وميم حرف " رواه الترمذي .
وقال صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوا القرآن ، فإنه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة " رواه مسلم .

ثانيا – يستحب للقارئ الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر .
أما مس القرآن ، فلا بد له من الوضوء ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يمس القرآن إلا طاهر " رواه الطبراني في معاجمه والدارقطني والحاكم .
وكذا مراعاة النظافة في البدن والثياب والمكان .
ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد ، لكونه جامعاً للنظافة ، وشرف البقعة .

ثالثا – أن ينظف فمه بالسواك وغيره .
قال علي رضي الله عنه : إنّ أفواهكم طُرقٌ للقرآن ، فطيّبوها بالسواك . رواه ابن ماجة وصححه الألباني .

رابعا – يستحب استقبال القبلة عند القراءة .

 وتجوز قراءة القرآن واقفا وماشيا وراكبا ومضطجعا .
قال تعالى : ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (آل عمران : 191) .
ولا يشترط الحجاب لتلاوة القرآن للنساء .

خامسا – الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، لأنه مطردة له .
لقوله تعالى : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ( النحل :  98) .
وتقدير الآية عند الجمهور : إذا أردت القراءة فاستعذ بالله .
وذلك أن الشيطان يحضر عند شروعه بالقراءة ، ليصرفه عن مقاصد القرآن الجليلة ، ومعانيه العظيمة ، والتي فيها صلاح دينه وديناه .
والاستعاذة مستحبة لكل قارئ ، في الصلاة وخارجها .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله فيقول : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه " رواه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان .
وكان أحيانا يزيد فيقول : " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان … " رواه أبوداود والترمذي .

سادسا – القراءة بخشوع قلب ، وسكون جوارح ، مع استشعار عظمة من يقرأ كلامه .
قال تعالى : ( لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (الحشر: 21) .
وقوله : ( وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) (الإسراء : 109) .
وأن يكون بعيدا عن مواضع اللغط ، وارتفاع الأصوات ، وليترك العبث باليد وغيرها ، فإنه يناجي ربه سبحانه وتعالى ، ومن ذلك النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن ، ليتحقق له الخشوع في القراءة ، أو الإنصات للتلاوة .

 سابعا – التدبّر أثناء القراءة ، والتفكر في معاني الآيات التي يقرأها ، وعدم هذّه ، والاستعجال في قراءته ، فبذلك تنشرح الصدور ، وتستنير القلوب .
لقوله سبحانه : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) (ص : 29) .
وقوله تعالى :  ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (محمد : 24) .

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح ، وهي قوله ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) ( المائدة : 118 ) . رواه أحمد والنسائي .

وجاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال : إني لأقرأ المفصل في ركعة ؟! فقال عبد الله : هذّاً كهذّ الشعر ؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يُجاوز تَراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه ، نفع .                                  رواه مسلم ( 822) وأحمد (3607 ) .
والهذّ : شدة الإسراع في القراءة ، وهي عادة العرب في الشعر .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضا : " من أراد علماً فليقرأ القرآن ، فإن فيه خير الأولين والآخرين " .
وسنده صحيح ، أخرجه الإمام أحمد في الزهد ( ص  157) وابن أبي شيبة ( 35839) وغيرهما .

وقال الحسن البصري : إنّ من كان قبلكم رأوا أن هذا القرآن رسائل إليهم من ربهم ، فكانوا يتدبرونها بالليل ، وينفذونها في النهار .

ثامنا – ترتيل القرآن ترتيلا ، وأن لا يختمه في أقل من ثلاث ، ولا يجعل همّه عند التلاوة بلوغ آخر السورة .
لقوله سبحانه وتعالى : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) ( المزمل : 4) .
وقوله ( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ) ( الإسراء : 106 ) .
فقوله ( على مكث ) أي : على مُهل ، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه وعلومه.
وقول رسوله صلى الله عليه وسلم : " لا يَفقه مَن قرأ القرآن في أقل من ثلاث "  رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ، وصححه الألباني رحمه الله .
وقالت عائشة رضي الله عنها : ولا أعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم قََرَأ القرآن كلّه في ليلة ، ولا قام ليلةًً حتى أصبح ، ولا صام شهراً كاملا غير رمضان . رواه مسلم ( 746 ) وأحمد ( 6/54 ) .

تاسعا – سؤال الله سبحانه من رحمته عند المرور بآيات الرحمة ، والتعوذ من عذابه عند المرور بآيات العذاب .
عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً ، فقام فقرأ سورة البقرة ، لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ . رواه أحمد وأبو داود والنسائي .

ويستحب هذا السؤال والاستعاذة والتسبيح لكل قارئ ، سواء كان في الصلاة أو خارجها ، ويستحب ذلك في صلاة الإمام والمنفرد والمأموم ، لأنه دعاء فاستووا فيه كالتأمين عقب الفاتحة ، وهذا مذهب جماهير العلماء رحمهم الله .
وكذا البكاء والتأثر عند قراءة القرآن ، وهو صفة النبيين ، وشعار عباد الله الصالحين ، قال الله تعالى ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً ) ( الإسراء : 109 ) .

عاشرا – التغني بالقرآن وتحسين الصوت به ، دون تكلف .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " وزاد بعضهم : " يجهر به " رواه البخاري ( 7527 ) .
وعنه أيضا : أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : " زيّنوا القرآنَ بأصواتكم "  رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .
وقال صلى الله عليه وسلم : " حسّنوا القرآن بأصواتكم ، فإنّ الصوت الحَسن يزيد القرآن حُسنا " رواه الدارمي ( 3373 ) والحاكم والبيهقي .

الحادي عشر – تقطيع القراءة آية آية :
وذلك بالوقف عند رؤوس الآيات .
فعن أم سلمة رضي الله عنها : أنها ذكرت – أو كلمة غيرها – قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين ) يقطع قراءته آية آية . رواه أبو داود (4001 ) .
وفي رواية الترمذي ( 2928 ) : كان يقطّع قراءته ، يقول ( الحمد لله رب العالمين ) ثم يقف ( الرحمن الرحيم ) ثم يقف . 

الثاني عشر – العمل بالقرآن ، والإئتمار بأوامره ، واجتناب نواهيه ، والوقوف عند حدوده  ، إذً الأصل أن يكون حفظ القرآن وتلاوته ، وسيلة للعمل به ، والتحاكم إليه ، وطريقا للتخلق بأخلاقه .

الثالث عشر – حضور القلب عند التلاوة ، والاستماع والإنصات إلى قراءة غيره في الصلاة وغيرها ، وعدم الانشغال عنها .
لقوله سبحانه وتعالى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (الأعراف : 204) .
ومن ذلك اجتناب الضحك واللغط والحديث خلال استماع القراءة ، إلا كلاماً يضطر إليه .

الرابع عشر – الأفضل أن يقرأ على ترتيب المصحف ، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ، ثم آل عمران ، ثم ما بعدها على الترتيب ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها .

الخامس عاشر : عدم قطع القراءة إلا لحاجة ، كرد السلام أو الأمر بمعروف أو النهي عن منكر .

16- السجود عند تلاوة آية سجدة ، أو سجود القارئ .
فعن أبي رافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد فقلت ما هذه قال سجدت بها خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. رواه البخاري ومسلم.
عن أبي هريرة أنه قال سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ( إذا السماء انشقت ) و( اقرأ باسم ربك ) . رواه مسلم .
والسجود للتلاوة مستحب وليس بواجب .
فعن زيد بن ثابت قال : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد فيها. رواه البخاري .
ولا تشترط لسجود التلاوة الطهارة على الصحيح ، وليس فيه تسليم بعده ، ولا تكبير عند الرفع منه ، على الصحيح أيضا .

والله تعالى أعلم ،،،

زر الذهاب إلى الأعلى